ملا محمد مهدي النراقي
115
جامع السعادات
هو الجميل بذاته والكامل بذاته ، وهو الجمال الخالص ، والكمال المطلق ، وحقيقتهما منحصرة به - تعالى - ، وما يوجد في غيره - تعالى - من الجمال والكلام لا يخلو من شوائب الخلل والنقصان ، إذ النقص شامل لجميع الممكنات ، وإنما تتفاوت في درجات النقص . وقد عرفت أن الجمال المعنوي أقوى من الجمال الصوري : ومن كان أهل البصيرة والكمال يكون حبه للجمال الباطن المعنوي أكثر وأقوى من حبه للجمال الصوري ، وحقيقة الجمال المعنوي الذي هو وجوب الوجود ، وكمال العلم والقدرة ، والاستيلاء على الكل ، واستناد الجميع إليه ، منحصر بالله - تعالى - ، فإذا كان الجمال المشوب بالنقص محبوبا ، فكيف لا يكون الجمال الخالص البحت الذي لا يتصور جمال فوقه محبوبا ، بل المحبوب حقيقة ليس إلا هو . باده خاك آلودتان مجنون كند * صاف اگرباشد ندانم جون كند ( 11 ) على أن كل جميل بالجمال الظاهر الصوري أو بالجمال الباطن المعنوي رشحة من رشحات جماله ، وكل كامل فكماله فرع كماله ، فكل من أحب جميلا أحب خالقه ، وما أحب أحدا غير الله - تعالى - ، لكنه أحتجب عنه تحت وجوه الأحباب وأستار الأسباب ، هذا مع أن عمدة جمال المخلوقين إنما هو علمهم بالله وبصفاته وأفعاله ، وقدرتهم على إصلاح نفوسهم بإزالة الرذائل والخبائث الشهوية المانعة عن التقرب إلى الله - تعالى - وباتصافهم بمعالي الصفات وشرائفها المقربة إلى الله ، وعلى إصلاح عباد الله بالارشاد والسياسة ، ومعلوم أن هذه الأمور إضافات إلى الله - سبحانه - ، فحبها يرجع إلى حبه - تعالى - . وأما الخامس - أعني المناسبة الخفية والمجانسة المعنوية : فلا ريب في أن للنفس الناطقة الإنسانية مناسبة مجهولة خفية مع باريها وموجدها ، إذ هي شعلة من شعلات جلاله ، وبارقة من بوارق جماله ، ولذا قال الله سبحانه : ( قل الروح من أمر ربي ) ( 15 ) . وقال : ( إني جاعل في الأرض
--> ( 14 ) إن خمركم الملوث بالغبار يجنني ! ! فلست أدري ما هو مفعوله إن كان صافيا ! ! ؟ ( 15 ) بني إسرائيل ، الآية : 85 .